محمد ابو زهره
1059
خاتم النبيين ( ص )
وقد بين اللّه سبحانه وتعالى الأعذار التي من شأنها أن تقبل ، والأعذار التي لا يمكن أن تقبل ، وبذلك يتميز العذر الحقيقي عن أعذار المنافقين التي لم يكن لها مسوغ ، فقال تعالت كلماته : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ، إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ( التوبة ) هؤلاء هم الذين يكون لهم عذر ، ولا يؤاخذون في التخلف ، وهم الذين فيهم ضعف في القوة ، أو في المال بألا يجدوا ما ينفقون منه ، ولا يكون مع الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما يعينهم به . أما غير ذلك فلا يعد عذرا ، ولكن يعد تخلفا وقعودا في وقت يجب أن تتضافر فيه القوى كلها وتجمع الجموع دائما . وقد أخرج إلى التجمع من التقدم للرومان الذين تعد جيوشهم بمئات الألوف لا بالعشرات منها . ولذلك ذكر سبحانه وتعالى أنه لا تقبل منهم أعذار ، وإنما عليهم السبيل فهم مسؤولون عن تقاعدهم ، وهو يدل على أن الإيمان لم يدخل قلوبهم . وقد أشرنا إلى أن النفاق لم يكن من الخزرج الذين كانوا بالمدينة المنورة ، بل كان منهم ، وكان من الأعراب الذين دخلوا في الإسلام ، ولما يدخل الإيمان قلوبهم ، وكانوا في مجموعهم أميل إلى الكفر . وإن كان في بعضهم إيمان ، وقد قسمهم اللّه سبحانه وتعالى إلى ثلاثة أقسام : أولها : قسم لم يدخلوا في الإسلام بقلوبهم ، وإن خضعوا له بأبدانهم . وأظهروا الطاعة ، وقد قال تعالى فيهم : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة ) وأولئك علموا الإسلام ممن هم في باطن الصحراء وحول المدينة المنورة وخضعوا ولم يستجيبوا لداعى الإيمان ، وذلك لأنهم حديثو عهد بالدخول ، ولأنهم خضعوا للقوة ، وحيثما كان الخضوع للقوة كان النفاق والكفر . والقسم الثاني : دخلوا في الإسلام ، كما يدل ظاهر القرآن الكريم ولكنهم برموا بالصدقات ، وعدوها مغرما ، ولم يعدوها مغنما ، وهؤلاء ، إن كانوا مسلمين يعدون من ضعفاء الإيمان ، وهذا القسم